القائمة الرئيسية

الصفحات

شرح مقام العجم ودور بيتهوفن فى تطوير الموسيقي

شرح مقام العجم ودور بيتهوفن فى تطوير الموسيقي

قد يكون من الغريب أن نربط مابين الموسيقار " بيتهوفن " ومقام العجم. إذ أن كثيرين من الأشخاص يدركون أن مقام العجم هو مقام شرقي ولا علاقة له بالموسيقي الأجنبية أو حتى بمؤسسيها أمثال " بيتهوفن ". ولكن فى الواقع الأمر أكثر بساطة في شرحه من كل هذه الأعتقادات. وكل ما فى الأمر إن مقام العجم هو نفسة " السلم الكبير " فى الموسيقي الغربية والأجنبية، وما الأمر إلا أختلاف فى المسميات حسب ثقافات الموسيقيين المختلفة.

وكانت الكثير من مقطوعات وسيمفونيات " بيتهوفن " تعزف على السلم الكبير، الذى يمثل مقام العجم. فمثلا إن عزفنا أى أغنية على مقام عجم من " درجة دو " فهى نفسها تلك الأغنية التى تعزف على سلم " دو " الكبير أو كما يعرف بأسم " السلم الماجور ". إذا فمقام العجم من المقامات القديمة الأصل والتى نشأت عليها العديد من المؤلفات الموسيقية وخصوصا فى عصور الموسيقيون الأوائل الذين وضعوا أسس وقواعد الموسيقي ومنهم " بيتهوفن ".

                                  مقام العجم 

ويعتبر مقام العجم من المقامات الموسيقية الجميلة والمنتشرة فى الموسيقي العالمية والشرقية. ومن أشهر أغانية المصرية هى أغنية " طلعت يا محلى نورها " لسيد درويش وكثير من الألحان الأخرى المنتشرة فى الوطن العربى والشرقي عموما. أيضا هو من المقامات التى لا تحتوى فى تكوينها وأبعادها الصوتية على " ربع تون ". وهو كما قلنا فإنه يماثل السلم الماجور فى الموسيقي العالمية.


وبالنسبة للأبعاد الموسيقية النغمية التى تمثل القانون الموسيقي لعزف مقام العجم فهى عبارة عن درجتين صوتيتين من بداية أول نغمة فى المقام ثم نصف درجة صوتية، ثم ثلاث درجات وأخيرا نصف درجة. وإن طبقنا هذه المسافات النغمية على درجة " دو " فإننا نحصل على مقام العجم من هذه الدرجة وسيكون من نغمة " دو " أن ننتقل درجة موسيقية إلى نغمة " رى " ودرجة أخرى إلى نغمة " مي "، ثم ننتقل بمقدار نصف مسافة صوتية إلى نغمة " فا " وبعدها درجة كاملة إلى نغمة " صول " وهكذا درجة أخرى إلى نغمة " لا " وبعدها درجة صوتية أو مسافة إلى نغمة " سي "، وأخيرا نصف درجة إلى نغمة " دو " وهكذا يتكون لنا مقام العجم من درجة " دو " أو ما يعرف بأسم سلم دو الكبير.

لمزيد من الشرح شاهد الفيديو التالى :



ويعتبر " بيتهوفن " من أهم من وضعوا قواعد وأسس العلوم الموسيقية على مر التاريخ. فقد تعامل هذا العبقرى الموسيقي مع تآليف " السوناتا " أو المعزوفات القديمة وقام بتطويرها ورفع شأنها إلى سماوات التأليف الموسيقي. وما فعله " بيتهوفن " فى الموسيقي والفن يعتبر دستور لكل مؤلفى الموسيقي على مر العصور.

فلم يعجبه جمود أسلافه فى إستخدام المقامات وأتى بالجديد، وذلك أن مقام الموضوع الثانى من المعزوفات الموسيقية فى ذلك الوقت كان يأتى دائما أعلى من مقام على بعد المسافة الصوتية الخامسة الصاعدة بالنسبة لمقام الجزء الأول من المعزوفات.

ورأى " بيتهوفن " أن فى ذلك تقييدا لعبقرية المؤلف الموسيقية، وأنه لا مانع أبدا فى أن يأتى النغم الجديد من الدرجة السادسة الكبيرة أو مقام الدرجة الثالثة كبيرة أو صغيرة، فيما عدا ما قد يكون هناك من مقامات أخرى قريبة. وفعلا حدث ، وحق هنا للموسيقار " بيتهوفن " أن يقول قولته المأثورة " إذا كانت موسيقاى لا تخضع للقواعد ، فلتخضع كل القواعد لموسيقاى ".

الرغبة فى تطوير السوناتا

ولم يعجبه من أسلافه أنهم تناولوا بعض أجزاء السوناتا تناولا متراخيا وكأنما كانت هذه الأجزاء مجرد حشو نغمى لا يدخل فى حسبان المنطق الموسيقي والتعبير العام لنغم المؤلفات الموسيقية " السوناتا ". فكان أسلافه لا يعطون أهتماما إلى " القناطر النغمية " التى يحدث من خلالها الإنتقال من مقام موضوع إلى مقام موضوع آخر.

وجاء بيتهوفن فتناول هذه الأجزاء كما تناول لكل خاتمة نهائية " Coda " وأعطاها كلها من روح التعبير فأحياها، ومن يومها وهذه الأجزاء ترتبط إرتباطا منطقيا بالمعنى الإجمالى فى موسيقي السيمفونيات. وقد أخذ الموسيقار " برامز - Brahms " هذا الأمر وسار على نفس خطى " بيتهوفن " فجعل من المعزوفات شيئا إبداعيا تملأه الحيوية فى كل أجزائه.

وقد كان لبيتهوفن شعبية كبيرة وجماهير، لأنه كان من عامة الشعب ولذا لم يسترح أبدا فى أن يكون " للطبقة الغنية من الشعب " موسيقي خاصة تتسم حركاتها بالأروستقراطية والتشدد فيما كان يسمى برقصة " المنويت " التى أدخلها " هايدن " و " موتسارت " فى بناء المعزوفات كحركة من حركاتها. فأمسك بيتهوفن هذه الرقصة أولا ونفخ فيها من روحه فأصبحت أنغامها وحركاتها أرشق وأخف، وخرج بها من قصور الأقطاع إلى أن تكون شيئا عاما فى متناول الجماهير والحدائق والشوارع.

بل أنه فيما بعد أبدلها بحركة موسيقية أخرى أسمها " أسكرتزو " Scherzo ، وترجمتها هى " الدعابة ". وهكذا جاء بيتهوفن للناس بحركة الدعابة الجديدة لتكون تعبيرا ديموقراطيا شعبيا. والواقع أن هذا يعتبر " تأميم " موسيقي لم يعرفه تاريخ الموسيقي قبل بيتهوفن.

بيتهوفن وتطور التعبير الموسيقي

لم يكن بيتهوفن يرضى عن التعبير فى الأفكار الموسيقية للمعزوفات فى عصره. فالمؤلفون فى نظره لم يتعبوا أنفسهم فى أن يوفوا موضوع تعبيرهم اللحنى حقه، بل تركوا النغم يلمس الأفكار لمسا سريعا لا يليق بمؤلفي الموسيقي. فجاء هو لأول مره يتعمق الأفكار ويغوص خلال أعماق النغم ليفتش فيها عن أدق مشاعر البشرية فيسلط عليها ضوء التعبير.

وبذلك جاءت تعبيراته - خصوصا فى المعزوفات السوناتية البطيئة - طويلة وعميقة، كلها أستطرادات تتمتع بها الأذن وتستريح إليها النفس. ومات بيتهوفن فى عام الف وتسعمائة وثمانية وعشرون، وترك من بعده تراث موسيقي عريق حتى إن من أتوا بعده عاشوا على ما أقره لعالم الموسيقي من سنن وتشريعات.

وفى الحقيقة قد ظهر فى تاريخ الموسيقي بعد " بيتهوفن " موسيقييون إبداعيون. لكن لابد أن نراجع أنفسنا كثيرا قبل مقارنة أحدهم بمكانة بيتهوفن، لإن يكن " برامز " فلم نبخسه حقه، لأنه هو الآخر عبقري وفى أعلى المراتب من سادة التأليف الموسيقي. ولكن ماذا يقول النقاد عن برامز؟ أنهم يقولون: لقد عاش طول حياته باذلا جهده فى " سبك " حركات السوناتا والمعزوفات وربطها ببعضها بحروف العطف الموسيقي ربطا منطقيا.

ولكن هؤلاء النقاد أنفسهم لن ينكرو أن بيتهوفن قد سبق وأنار الطريق لأمثال برامز حين تناول مكونات الحركة السوناتية من مجموع أجزائها وربط هذه الأجزاء برباط من النغم الشجى، وأنه خلق من كل حركة بناء لا تنافر فى هندستة الموسيقية .. ألخ. وهنا يحق لنا أن نتسائل: هل إذا جاء " برامز " أو غيره وفعل نفس الشئ فيما بعد ولو على نطاق أوسع فى السوناتا والمعزوفات بكاملها، أصبح ندا لبيتهوفن ؟.

الواقع أن مثل بيتهوفن فى هذه الحالة كمثل أرسطو فى الفلسفة، فلقد كانت قوانين الفكر أو " المنطق " كما يقول الفلاسفة شيئا جديدا جاء به أرسطو للناس وللتفكير الإنسانى. ولما أتى الفلاسفة فيما بعد وتناولوا أرسطو بالنقد لم يجدوا شيئا ينقدونه به سوى قوانين العقل التى أخترعها وأمدهم بها.

إذن فحسب برامز فيما أتى به أنه سار على خطى بيتهوفن وفى هذا منتهى ما يصبو إليه أى مؤلف موسيقي. بل أننا نقول: يكفى جميع المؤلفين حتى الآن وبعد الآن أن يستخلصوا من مؤلفات بيتهوفن الكبرى أسس التعبير الجيد، وقواعد التكرار المهذب ليصيروا عباقرة. ويكفينا هنا أن نشير إلى بعض هذه الأسس التى تنفع المؤلفيين الموسيقيين فى كل بلاد العالم حتى وقتنا هذا. فلقد وضع بيتهوفن من القواعد فى التأليف مايضمن للعمل الموسيقي أن يخرج على صورة سليمة من الجمال والكمال وأدب التعبير.

أهم القواعد الموسيقية

ومن أهم قواعدة التى أسسها للموسيقي أنه " لابد أن تأتى الأجزاء الداخلية للمقطوعة مترابطة ترابطا منطقيا مع بعضها لتعطى فى مجموعها تعبيرا عن نفس الفكرة الشعورية الموسيقية. فإذا كانت موسيقارا خذ مثلا تعبيرا عن " الحب " فى ثلاثة ألوان موسيقية أو أكثر من ثلاثة ألوان، وبحيث تترابط فيما بينها، وبشرط أن نجد فى كل لون " حبا " ما، وهنا يكون فيك من رائحة فن بيتهوفن ".

 وللمؤلف دائما وأبدا أن يبنى حركة لاحقة من جزيئات حركة سابقة. وفى رباعية بيتهوفن " رقم أثنان من مقام صول "، نراه وقد جاء بالحركة الثانية كلها من بضعة أنغام سبق عزفها فى نهاية الحركة الأولى. وفى مثال آخر له من سوناتا البيانو نجده وقد استعار من حركتها الأولى جزءا مضيئا أضاء به كل بقية السوناتا. وأيضا من قواعده المهمة أن للمؤلف الحق فى أن يلجأ فى تأليفه إلى تحوير أصوات النغم مع أحتفاظه بالطابع اللحنى وهو مايعرف عند الموسيقيين " بتحوير الفقرات ".

ولقد فعل هذا - بخلاف بيتهوفن - الموسيقار " برليوز - Berlios "  و " بيزيه - Bizet " و " فاجنر - Wagner " فأمدوا المستمع بنوع من اللذه غير مقطوعة. وإذا إستمعنا إلى سيمفونية " برامز " من مقام ري، نجده قد أتى بموضوع من نوتات النوار، فإذا ذهبنا إلى حركة " التريو " التالية وجدنا تحويرا لذلك الموضوع السابق فى الزمن وفى النوتات، لكن مع الإحتفاظ بالطابع على نحو أجمل.

ويكفى أى دارس للموسيقي أن يتخذ من مبادئ " بيتهوفن " وقواعده الموسيقية، حتى يصبح من العباقرة فى التأليف الموسيقي. فكما نعلم أن هناك الكثير من المؤلفين الموسيقيين قد أمتهنوا الموسيقي فقط كأنها وظيفة أو عمل لكسب الرزق، فتوقف عطائهم الفنى الذى لم يكن له تأثير كبير أو قليل يذكر فى الأنتاج الموسيقي من معزوفات أو مؤلفات وغيرها.

لكن هناك قليلون فقط ممن كرسوا أنفسهم للمشوار الفنى الموسيقي، باذلين فى ذلك كل غالى ونفيس من أجل الفن والوصول إلى تلك اللمسات الأبداعية التطويرية ليصبحوا من الرواد أمثال " بيتهوفن ".

فدراسة الموسيقي وعلومها تختلف أختلافا كليا عن أى مجال آخر. فباقى العلوم الدنيوية تستخدم فقط العقل والذهن فى حفظ القوانين والتعامل معها وتطبيقها. أما الموسيقي وحدها هى من تتعالم مع النفس البشرية والروح الداخلية للأشخاص، مما يتطلب منهم بذل مجهود جبار للوصول إلى ذلك المستوى الرائد وتلك القمة التى يتسابق عليها الكثيرون ليتربعوا فوق عرشها من الفنانين والموسيقيين حول العالم. ولكن التربع عليها يحتاج إلى كفاح فنى طويل ومشوار كبير من البذل والعطاء يتناسب مع هذه القدرة الفنية الأبداعية التى يكون عليها الفنان الموسيقي الحقيقى.




هل اعجبك الموضوع :
author-img
موقع ويب شامل للفنون والموسيقي والتقنية والمعلومات التكنولوجية والبرامج وشروحات الربح من الأنترنت

تعليقات